ابن الأثير

267

أسد الغابة ( دار الفكر )

فلكمني صاحبي لكمة ، وقال : وما أنت وذاك ؟ أقبل على شأنك . فأقبلت على عملي حتى أمسيت ، فجمعت شيئا فأتيته به ، وهو بقباء عند أصحابه ، فقلت : اجتمع عندي ، أردت أن أتصدق به ، فبلغني أنك رجل صالح ، ومعك رجال من أصحابك ذوو حاجة ، فرأيتكم أحق به ، فوضعته بين يديه ، فكف يديه ، وقال لأصحابه : كلوا . فأكلوا ، فقلت : هذه واحدة ، ورجعت . وتحوّل إلى المدينة ، فجمعت شيئا فأتيته به ، فقلت : هاتان اثنتان ، ورجعت . فأتيته وقد تبع جنازة في بقيع الغرقد ، وحوله أصحابه ، فسلمت ، وتحولت انظر إلى الخاتم في ظهره ، فعلم ما أردت ، فألقى رداءه ، فرأيت الخاتم ، فقبلته ، وبكيت ، فأجلسنى بين يديه ، فحدثته بشأنى كلّه كما حدثتك يا ابن عباس ، فأعجبه ذلك ، وأحب أن يسمعه أصحابه ، ففاتني معه بدر وأحد بالرّق ، فقال لي : كاتب يا سلمان عن نفسك ، فلم أزل بصاحبي حتى كاتبته ، على أن أغرس له ثلاثمائة وديّة [ ( 1 ) ] وعلى أربعين أوقية من ذهب ، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : أعينوا أخاكم بالنّخل ، فأعانونى بالخمس والعشر ، حتى اجتمع لي ، فقال لي : فقّر [ ( 2 ) ] لها ولا تضع منها شيئا حتى أضعه بيدي ، ففعلت ، فأعانني أصحابي حتى فرغت ، فأتيته ، فكنت آتيه بالنخلة فيضعها ، ويسوى عليها ترابا ، فأنصرف ، والّذي بعثه بالحق فما ماتت منها واحدة ، وبقي الذهب ، فبينما هو قاعد إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة ، من ذهب أصابه من بعض المعادن ، فقال : ادع سلمان المسكين الفارسي المكاتب ، فقال : أدّ هذه ، فقلت : يا رسول اللَّه ، وأين تقع هذه مما عليّ ؟ وروى أبو الطفيل ، عن سلمان ، قال : أعانني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ببيضة من ذهب ، فلو وزنت بأحد لكانت أثقل منه . وقيل : إنه لقي بعض الحواريين ، وفيل : إنه أسلم بمكة ، وليس بشيء . وأول مشاهده مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الخندق ، ولم يتخلف عن مشهد بعد الخندق ، وآخى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بينه ، وبين أبى الدرداء . أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن عبد القاهر ، قال : أخبرنا أبو محمد جعفر بن أحمد القاري ، أخبرنا الحسن بن أحمد بن شاذان ، أخبرنا أحمد بن عثمان بن أحمد بن السماك ، أخبرنا يحيى ابن جعفر ، أخبرنا حماد بن مسعدة ، أخبرنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن

--> [ ( 1 ) ] الودية : النخلة الصغيرة . [ ( 2 ) ] في المطبوعة : نقر ، ومعنى فقر : احفر لها موضعا تغرس فيه ، وتسمى الحفرة : فقرة ، بضم الفاء .